شريط الأخبار

دبلوماسية المناخ: فرصة الأردن لتحويل التحديات المناخية إلى تنمية مستدامة

دبلوماسية المناخ: فرصة الأردن لتحويل التحديات المناخية إلى تنمية مستدامة
المحامي الدكتور علي سليم الحموري
عضو هيئة التدريس بجامعة العلوم التطبيقية الخاصة
رئيس جمعية استشراف المستقبل للحقوق البيئية والعدالة المناخية
لم يعد التغير المناخي ملفاً بيئياً يقتصر على حماية الموارد الطبيعية أو خفض الانبعاثات، بل أصبح أحد أهم محددات الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية والاستثمار والتنمية. فالدول التي تنجح اليوم ليست بالضرورة الأكثر ثراءً أو الأقل تعرضاً للمخاطر، وإنما الأكثر قدرة على توظيف أدوات دبلوماسية المناخ لبناء شراكات دولية، واستقطاب التمويل، وتحويل التحديات البيئية إلى فرص اقتصادية وتنموية.
وفي هذا السياق، يقف الأردن أمام فرصة استراتيجية تستحق أن تكون جزءاً من أولويات الدولة خلال السنوات المقبلة. فالمملكة تُعد من أكثر دول العالم معاناةً من شح المياه وتأثيرات التغير المناخي، رغم أن مساهمتها في الانبعاثات العالمية محدودة للغاية. وبينما تتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية، وتتسع الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات، يزداد في المقابل اهتمام المجتمع الدولي بتمويل مشروعات التكيف المناخي والتنمية منخفضة الكربون، من خلال الصندوق الأخضر للمناخ، وصندوق التكيف، والبنك الدولي، وبنك الاستثمار الأوروبي، ومؤسسات التمويل الإقليمية والدولية.
لكن الحصول على هذا التمويل لم يعد يعتمد على حجم التحديات التي تواجهها الدول، بل على قدرتها في إعداد برامج وطنية متكاملة، ومشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ، تحقق أثراً اقتصادياً واجتماعياً وبيئياً واضحاً، وتلتزم بمعايير الحوكمة والشفافية والمساءلة.
ومن هنا، فإن دبلوماسية المناخ يجب أن تتحول إلى أحد محاور السياسة التنموية الأردنية، بحيث لا تقتصر على المشاركة في المؤتمرات الدولية أو المفاوضات المناخية، وإنما تمتد إلى بناء تحالفات اقتصادية وتنموية، وربط احتياجات المحافظات والأرياف والبوادي بفرص التمويل الدولي، وتحويل الالتزامات المناخية إلى مشروعات إنتاجية تعزز الاقتصاد الوطني.
إن الأردن يمتلك العديد من المقومات التي تؤهله لذلك؛ فقد حقق تقدماً ملحوظاً في مشاريع الطاقة المتجددة، ويمتلك خبرات متراكمة في إدارة الموارد المائية، كما يتمتع بموقع جغرافي يجعله مؤهلاً ليكون منصة إقليمية للتعاون في مجالات الأمن المائي والطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر. غير أن هذه المقومات تحتاج إلى إطار وطني جامع يربط بين التخطيط الاقتصادي والسياسة الخارجية والعمل المناخي.
وفي هذا الإطار، يمكن للمبادرات الوطنية التي تستهدف تنمية القرى والمجتمعات المحلية أن تشكل نموذجاً عملياً لدبلوماسية المناخ، من خلال تطوير مشروعات متكاملة تجمع بين الطاقة المتجددة، وحصاد المياه، والزراعة الذكية، والصناعات المحلية، والاقتصاد الدائري، والسياحة البيئية، والتحول الرقمي، بما يحقق التنمية الاقتصادية ويعزز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع آثار التغير المناخي.
كما أن الأردن يستطيع الاستفادة من أدوات التمويل المبتكرة، بما في ذلك مبادلة الديون مقابل الاستثمار في مشروعات المناخ، والسندات الخضراء، والتمويل المختلط، والشراكات مع القطاع الخاص. غير أن نجاح هذه الأدوات يتطلب مشروعات ذات جدوى اقتصادية واضحة، ومؤسسات قادرة على الإدارة والتنفيذ، وأطر قانونية وتنظيمية تعزز ثقة المستثمرين والجهات المانحة.
وفي المقابل، ينبغي الحذر من النظر إلى التمويل المناخي باعتباره غاية بحد ذاته. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بحجم الأموال التي يتم استقطابها، وإنما بقدرتها على تحسين حياة المواطنين، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، وخلق فرص العمل، وزيادة الإنتاج، وتحقيق تنمية متوازنة بين مختلف المحافظات.
إن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالاً من إدارة آثار التغير المناخي إلى إدارة الفرص التي يتيحها. فالعالم يشهد تحولاً متسارعاً نحو الاقتصاد الأخضر، والاستثمارات المستدامة، والتكنولوجيا النظيفة، والدول التي تستعد لهذا التحول مبكراً ستكون الأكثر قدرة على المنافسة وجذب الاستثمارات.
ولعل أهم ما تحتاجه المملكة اليوم هو بلورة استراتيجية وطنية لدبلوماسية المناخ، تتكامل فيها أدوار وزارات الخارجية، والبيئة، والتخطيط، والمياه، والطاقة، والزراعة، إلى جانب الجامعات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن إعداد مشروعات استراتيجية، وبناء شراكات دولية، وتعزيز الحضور الأردني في منصات التمويل والعمل المناخي.
لقد أثبت الأردن مراراً قدرته على التعامل مع التحديات الإقليمية والدولية بحكمة وكفاءة. واليوم، يستطيع أن يقدم نموذجاً جديداً يجعل من دبلوماسية المناخ أداة لتحقيق التنمية الاقتصادية، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل، وليس مجرد استجابة لالتزامات دولية.
إن الاستثمار في دبلوماسية المناخ هو استثمار في مستقبل الأردن. فكل مشروع ناجح، وكل شراكة دولية فاعلة، وكل دولار يُوجَّه إلى تنمية مستدامة، يمثل خطوة نحو اقتصاد أكثر مرونة، ومجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات، ودولة أكثر حضوراً وتأثيراً في رسم مستقبل العمل المناخي على المستويين الإقليمي والدولي.